حتى لا يزايد علىَّ أحد فيقول كيف تكتب العامية؟ ذهبت مباشرة إلى مختار الصحاح فلم أجد ما يعيننى على رفض المزايدة، ولكن المنجد فى اللغة أسعفنى إلى ما أريد، وجدت فيه أن الرجل إذا أهبل تعنى أنه فقد عقله، والهبل عند العامة يعنى العته والبله، والأهبل هو فاقد العقل والتمييز، وهذا هو ما قصدته، فتعالوا نبدأ المقال بعيداً عن هذه الملاحظة.
والأهبلان اللذين أعنيهما، واحد عربى، هو العربى الوحيد الذى يستحق بجدارة هذا اللقب واسمه عبد الرحمن سوار الذهب، والآخر مسلم من ماليزيا فى أقصى الأرض اسمه محاضر محمد "يقولون عليه مهاتير كما تنطقها الفرنجة"، وهما الحاكمان الوحيدان فى أمة العرب وأمة المسلمين اللذان خرجا من الحكم بإرادتهما، وبطريقة سلسة لا تعقيد فيها ولا تلكؤ ولو لساعة واحدة، فاستحقا عن جدارة هذا اللقب النبيل.
ولأنه الوحيد فى أمة العرب الذى فعلها، فقد اعتبر البعض تنازله عن الحكم طواعية ضرباً من الجنون، أن يتنازل وبطيب خاطر ونفس منشرحة عما يتقاتل عليه الحكام ولا يتخلون عنه إلا بسفك الدماء، أن يترك المقعد الذى يتنافس عليه المتنافسون منذ تجمع البشر فى مجموعات، أن يترك مقعد الرئيس، فهو لا شك الجنون بعينه، قد يتنازل المرء عن قطعة أرض يملكها، أو عن عقار ورثه، أو عن أشياء كثيرة يبذلها دون أن يطرف له جفن، ولكن أن يتنازل عن السلطة المطلقة وهى بين يديه، السلطة التى تعطيه النفوذ والجبروت والقوة، وتمنحه القصور والمنتجعات والخدم والحشم والأموال السرية فى بنوك سويسرا، السلطة التى تخصه بإصدار المراسيم والقرارات الجمهورية، والتوجيهات الرئاسية، والأوامر التى لا ترد ولا تستأنف، أن يتنازل عن كل هذا، فهذا لا شك هبلٌ ليس بعده هبل.
هل يعرف أحد منكم أو من آبائكم أو أجدادكم أن حاكما عربياً ملَّ من السلطة، أو شبع منها، أو تركها عن طيب خاطر قبل أن توافيه المنية التى لا توافيه فى العادة إلا بعد أن يموت نصف شعبه، ويشرد نصفه الآخر فى ربوع الدنيا بحثاً عن لقمة العيش، ليس فى تاريخنا الحديث على الأقل حاكم عربى واحد تخلى عن كرسى الرئيس بإرادته، لم نعرف فى حياتنا ولا فى حياة آبائنا حاكماً سابقاً على قيد الحياة، الرئيس السابق عندنا هو الرئيس الذى وافته المنية.
لكن عبد الرحمن سوار الذهب فعلها، ذلك الضابط الكبير فى الجيش السودانى سليل العائلة الثرية المعروفة فى بلاده، قاد مع رفاق له من كبار ضباط المؤسسة العسكرية السودانية انقلاباً عسكرياً على نظام






















