“اقرأ”، من أعظم لحظات الأرض في تاريخها الطويل، لحظة نزول كلام الله إلى البشر، لحظة نبوة نبي، لحظة عودة إرسال السماء إلى الأرض، لحظة افتراق طرق، بين باطل ساد طويلاً، وبين حق يتطلع إلى المكوث في الأرض طويلاً، لحظة افتراق بين جهل وجهالة، وبين علم وهدى، بين ظلمات أطبقت على الأرض، ونور يوشك أن ينبثق من السماء، لحظة بدء رسالة الرسول الخاتم، لحظة هدى جديد لأهل الأرض، ينعدل به ميزان الحياة على ميزان شرع الله وشريعته الخاتمة.
لم تكن لحظة عادية في عمر الزمان، ولا هي لحظة عادية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكأن كل ما فات من عمره يوم، وما يأتي من عمره يوم جديد له ما بعده، هذه الصلة بين ملك وإنسان في الغار، لها ما بعدها، زمن الشدة بدأ، زمن الجهد والجهاد ابتدأ، ولى زمن الوداعة والركون والسكون والهدوء والبحث المتأمل، توقف زمن الأسئلة، ليبزغ زمن الإجابات السماوية على كل ما يهم حياة البشر، إجابة السماء على سؤال كيف تكون حياة الناس أفضل في الدنيا؟ وكيف يكون مآلهم مأموناً في الآخرة؟
تلك الفترة، جاءت على سنة الله في التدرج، بدأت بالنبوة حين نزل الوحي بأوائل سورة “اقرأ”، وانتهت بالرسالة حين نزل الوحي من جديد بأوائل سورة المدثر، كان الأمر الأول: “اقرأ”، وكان الأمر الثاني: أنذر، كانت المعرفة أول النبوة، وكان الإنذار أول الرسالة، وكانت بينهما فترة الوحي.
انقطع الوحي، واختلف في تقدير فترة الانقطاع، ونقول مع القائلين إنه لم يدم طويلاً (ثلاث سنوات في بعض الأقوال)، ولا يتصور أن تقصر المدة إلى ما لا يزيد على عشرة أيام كما قال البعض، ذلك أن عشرة أيام ليست مدة طويلة إلى الدرجة التي تسبب للنبي صلى الله عليه وسلم كل هذا الحزن الثابت في كل الأحاديث عن تلك الفترة، وقد ذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى تقدير تلك الفترة بأربعين يوماً، وهي فترة طويلة نسبياً، خاصة في بداية نزول الوحي، وتثير الحزن الذي أحس به النبي صلى الله عليه وسلم.
قالوا: إن الحكمة من انقطاع الوحي أن يذهب عن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يجده من الروع من ناحية، وليحصل له التشوق إلى العود من ناحية ثانية، ونضيف على ذلك أنه انقطاع مطلوب يعطي الفرصة لأن يفكر النبي صلى الله عليه وسلم فيما ألقي عليه من قول السماء، وأن يعد نفسه بالتفكير في المهمة الملقاة على عاتقه، وليمعن النظر في الآيات الخمس التي افتتح بها وحي السماء.
هدأ روعه صلى الله عليه وسلم، واطمأن باليقين قلبه، وهو يحمل أول كلام الوحي إليه، ويتردد في داخله الأمر: “اقرأ”، تغيرت بوصلة التفكير، وتحددت اتجاهات التأمل، لم يعد التفكير المؤرق في كل شيء، ولم يعد التأمل مقصوراً على ما يراه، بل أصبح تفكيره وتأمله على هدى من تلك الآيات الكريمات، التي أصبح أمامه واجب التدبر فيها، وإمعان النظر في كل ما ورد بها.
ولا شك أن شريط ما جرى في ليلة الغار ظل محفوراً في ذاكرته، تتكرر مشاهده أمام عينيه في تلك الأيام التي انقطع الوحي فيها، استعاد المشهد مرة وراء الأخرى، جبريل يضمه تلك الضمة المروعة ويقول له وهو الذي لا يعرف القراءة: “اقرأ”، ويسمع صوته وهو يؤكد: “ما أنا بقارئ”، فيغطه، ويقول: “اقرأ”، فيقول: “ما أنا بقارئ”، ثم في الثالثة يقول له: “اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم”.
الكتاب والحكمة
كان العقل الجاهلي معتماً، وكان العالم كله يرزح تحت ظلام العقل، وظهر القرآن ليقول إن أول خطوة في إخراج الناس من الظلمات إلى النور هي: “اقرأ”، افهم، وتدبر، وأعمل فكرك وشغل عقلك، “اقرأ” ولا تعطل عقلك عن التفكير، والله يذكر المؤمنين: “لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين”، (آل عمران164)، أرسل الرسول ليعلم الناس أمرين الكتاب والحكمة.
ويعرف كثير من المفسرين الحكمة على أنها فهم الدين، وإدراكه، ولذلك فإن اقرأ جاءت لتمحو الأمية العقلية، لتضع أسس المنهج العقلي في التفكير، جاءت “اقرأ” حرباً على الأمية العقلية، جاءت لتؤسس لواجب على المسلم بأن يكون عالماً بزمانه، مقبلاً على شأنه، أن يفتح عينيه المغمضتين بموانع استخدام العقل، وأن ينظر ب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ