بقلم محمد حماد

كتابات مدادها من القلب، لا ولاء لها لغير هذا الوطن 


 

التغيير بالمظاهرات

كتبهامحمد حماد ، في 2 يونيو 2009 الساعة: 10:00 ص

يستعجل الناس التغيير، ويتصور بعضهم أن مظاهرة من مائة ألف مواطن تخرج تلعن النظام وأهله كفيلة بأن تسقط الطغاة، وتولي من يصلح، والبعض يبنون خططهم على مثل هذا الوهم الخادع، الذي لا سابقة له، ولو لمرة واحدة في التاريخ البشري، وما جورجيا عنكم ببعيد.

تذكرت هذه الترهات، وأنا أقلب صفحات كتاب (طموحات امبريالية) الذي صدرت نسخته العربية ترجمة عمر الأيوبي (عن دار الكتاب العربي) في بيروت عام 2006، وهو عبارة عن تسع مقابلات أجراها ديفيد برساميان مع المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي، تركزت في مجملها حولالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، كما تناولت بعض القضايا السياسية الفكرية داخل أميركا.

أقول: إذا أردت أن تقرأ كف أمريكا الاستراتيجي عليك أن تطالع كتابات زبيجينيو بريجينسكي، وإذا أردت أن تقرأ كيف تحول أمريكا استراتيجياتها إلى تكتيكات عمل ودبلوماسية نشطة فاقرأ لهنري كيسنجر، أما إذا أردت أن تنظر إلى أمريكا عارية بدون مساحيق تداري وجهها القبيح فعليك بقراءة ناعوم تشومسكي.

ما لفت نظري في الحوارات مع تشومسكي سؤال عن دور الفرد في تغيير المجتمع، وهي قضية تكاد تكون مصرية قبل أن تكون أمريكية، أو هي بالأحرى تلامس قضية التغيير في العالم كله.

هذه مشاكل ضخمة، ماذا يسعني أنا كفرد أن أفعل حيالها؟

يقول تشومسكي: بعد كل خطاب ألقيه في الولايات المتحدة، يقترب مني بعض الأشخاص ويقولون: أريد أن أغير الأمور، ماذا يمكنني أن أفعل؟، ويجيبه تشومسكي: ليس هناك صعوبة في العثور على المجموعات التي تعمل جاهدة في القضايا التي تهمك، وما عليك إلا أن تنضم إليها، وتعمل معها من أجل تحقيق التغيير.

ومن كثرة تكرار السؤال وترداد الإجابة نفسها اكتشف تشومسكي أن الناس لا تريد منه هذه الإجابة، وبات يعتقد أن السؤال الحقيقي الذي يريدون طرحه هو: ماذا يمكنني أن أفعل لوضع حد لكل هذه المشاكل الضخمة، بشرط أن يكون المطلوب عمل سهل وسريع، ومضمون النتائج، يقول لك بعضهم: لقد شاركت في مظاهرة ولم يتغير أي شيء، وخرج 25 مليون إلى الشوارع، ومع ذلك مضى بوش إلى الحرب، ثم يركنون إلى اليأس.

الطبيعي أن يشعر الناس باليأس إن توقعوا أن تحل مشاكلهم إذا هم تظاهروا مرة، أو سيروا المسيرات عدة مرات، فلو أن الأمور تمضي على هذه الشاكلة لما غلب أحد في هذا العالم.

 الأمور لا تسير على هذا النحو، ولا هي بهذه البساطة، يقول تشومسكي: إذا أردت أن تحدث تغييرات في العالم، عليك أن تشارك يومياً في العمل البسيط والدءوب، وربما الممل، من أجل اجتذاب أشخاص مهتمين بالقضية التي تهتم بها، وأن تبني منظمة أكبر قليلاً، وتنتقل من خطوة إلى الخطوة التي تليها، وأن تواجه الإحباط في كل مرحلة، ثم تصل إلى مكان ما في النهاية، هكذا يتغير العالم، هكذا تتخلّص من العبودية، وهكذا تحصّل حقوق المرأة، وتحصل على حق التصويت، وهكذا يحمي العمّال حقوقهم، أو يتحصلون عليها، لقد تحقق كل مكسب كبير عن طريق هذا النوع من الجهد، لا من مشاركة الناس في مظاهرة واحدة، والانسحاب عندما لا يحدث شيء، أو التصويت مرة  واحدة كل عدة سنوات، ثم العودة إلى البيت.

وأقول: إن تراكم المشاكل، وطول بقاء الناس تحت وطأتها قد يكفي لتعظيم الرغبة في التخلص من هذه المشاكل، ولكنه لا يكفي لتجاوزها، بل قد يغري ببقاء الحال على ما هو عليه، وحده العمل الدءوب، وحده البقاء تحت الطلب من أجل التغيير، وحده الحرص الشديد على حشد الناس على الطريق إلى التغيير هو الذي يوصل الناس إلى الأمل في حل مشاكلهم.

الإجابة السهلة، ولا أقول الساذجة، على سؤال التغيير في مصر لا تفيد أحداً، ولا تفيد قضية التغيير نفسها، بل ربما تضر بأكثر مما تفيد، وإذا كانت المظاهرة لمرة واحدة لا تفيد، فإن التبليط في الخط لن ينفع، كما لن يفيد شعب يريد التغيير أن ينتظر عند حافة النهر، ويضع قدميه في الماء، آملا أن يأتيه التيار بجثة الذين ينتظر موتهم.!

وحدها إرادة التغيير هي القادرة على تحريك أمة قررت العودة إلى الحياة.

 

  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مصريات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “التغيير بالمظاهرات”

  1. مااخذ بالقوة لن يسترد الا بالقوة
    والخائفون لايصنعون الحرية
    تحياتي
    استاذ محمد

  2. مرحى بالأخ الحبيب أ/ حماد
    مقالك يثير قضايا كثيرة تحتاج إلى التبيان واسمح لى أن أقول ما ثار بخلدى حين قرأت مقالك الكريم
    أولا : الإنصاف يقتضى منا القول إن الإنسان قبل التغيير والحق أن أن نجاح حركة ما أو فئة ما مرهون بثلاثة أمور متوازية ومتوازنة نسبيا: الإيمان بمبادئ تستمد قوتها من روح أشخاصها الذين يعتنقونها ( سواء كانوا قادة أو جنودا لهم ميثاق عمل واضح الملامح)، والترابط الفعال الذى يجمع صفوف هؤلاء الأفراد، والعمل البصير الفاعل المستمر… فهل ترانا ذوى عقول مفكر تصحبها حماسة بصيرة؟ أم أننا نفتقد بعض ذلك؟

  3. انت ممن يعتقدون انفسهم كبارا،يأتيهم
    الناس وهم لا يعيرونهم أدنى اهتمام.ليس هكذا.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر









كل تعليق في صلب الموضوع أعتبره جزءا من إدراجي وإن اختلف معي


لأنه يطرح زاوية جديدة للرؤية يمكن أن تكون قد غابت عني