بقلم محمد حماد

كتابات مدادها من القلب، لا ولاء لها لغير هذا الوطن 


 

واحد من الناس

كتبهامحمد حماد ، في 7 يوليو 2009 الساعة: 05:21 ص

 لا تعرف زميلتنا القديرة نجلاء بدير أني أقرأ لها بانتظام، رغم أني أسمي عمودها اليومي بجريدة الدستور: عمود وجع القلب، فهي تتحدث من القلب عن حالات من البشر، تكتب بقلبها وعقلها وكل مشاعرها حدوتة بطلها واحد من خلق الله، واحد مظلوم، أو مقهور، أو جار عليه زمن الفساد، واحد موجوع، وكثير ما هم، والوجع هذه الأيام حالة عامة، وغير الموجوعين هم الذين أصبحوا حالات خاصة، والحق أن الزميلة العزيزة تتقن فن أن تقول ما تريد عبر تلك الحكايات، وتصل من خلالها إلى التأثير المطلوب.

وأكثر ما يوجع القلب في كتابة نجلاء بدير حالات المرضى المعوزين الذين هدهم المرض وهدتهم الحاجة، في ظل ظروف أصبحت فوق كل طاقة للاحتمال، وتبدو خارج كل قدرة على الإصلاح!

وأتصور أن نجلاء لا تكتب كل يوم، قدر ما هي في معركة مع الحياة كل يوم، حياة مريض كل أحلامه اختصرت في أن تتوسط له من أجل أن يحجزوه في قصر العيني أو في الدمرداش أو معهد الأورام أو أبو الريش للأطفال، ثم إن نشاطها اليومي لا يقتصر على المرضى وحدهم، فهي تواجه يوميا بطلبات يائسة من شباب بل ومن شيوخ يبحثون عن فرصة عمل.

كم هو موجع أن يكون حلم ملايين المواطنين المصريين مجرد دخول المستشفى، أو الحصول على عمل، أي عمل، لا يهم إذا ما كان يناسب المؤهل الدراسي، أم لا، ولا يهم إن كان دخله مناسباً أم لا، ولا يهم أن تكون وظيفة ثابتة أو محددة المدة، أو حتى مؤقتة، أصبح الحلم الذي يحتاج تحقيقه إلي واسطة ومعرفة هو أي عمل ولو باليومية!!

أن تتراكم أمامك كل يوم أحلام أقل من أن توصف بأنها أحلام صغيرة، وهي في الأساس مشروعة، وحقوق لهؤلاء المواطنين، ثم لا تقدر على تحقيقها، وتبقى هكذا في الدائرة الجهنمية من الطلبات الملحة، والعجز المتنامي، كل هذا يأكل قلبك ويوجعه حد الألم.

كنت وما زلت أحس كل هذا العذاب اليومي عند قراءة بشر نجلاء بدير، حتى بدأ الزميل الإعلامي القدير عمرو الليثي برنامجه الأكثر من رائع: "واحد من الناس"، على قناة دريم، فأضيف إلى الوجع اليومي المكتوب وجع أسبوعي مشاهد، ومن قرأ ليس كمن شاهد، والحق أن عمرو الليثي تفوق في هذا البرنامج على نفسه، وأقول ربما أعاد اكتشاف نفسه من جديد، وأعاد إلينا الثقة في إمكانية أن يكون هناك إعلام هادف وناجح ومؤثر وموجع أيضا.

يطوف بنا عمرو الليثي أسبوعياً في أوجاع مصر، وفي أحوال ناسها، وفي طيبة بشرها، وبؤس أوضاعها، ويتجول بنا في قلوب وعقول مصرية بصدق لا تجده إلا في القليل القليل من البرامج التليفزيونية، ولست أتحدث عن مهنيته، ولا أنا بصدد تقييم برنامجه على المستوى المهني، هو صاحب الخبرات الكبيرة في مجاله، ولكني أتحدث عن انحياز الإعلامي الذي يريدونه محايداً بين المظلوم والظالم، بين الضحية والجلادين، انحياز الإعلامي في عمرو إلى شعب هو واحد منهم، انحيازه إلى مطالب شعب طال صبره وكاد ينفد، انحيازه إلى آلام شعب يوجعه الألم ويكاد يقتله.

من أول حلقة في برنامج واحد من الناس، كان الناس هم الأبطال، وكان مقدم البرنامج يختفي وراء بطولتهم الفذة، ورغم ذلك كان وجوده ظاهراً للعيان، وكان اختياره لنماذج الناس أكثر من موجع، وقد لا يكون له فضل في هذه النماذج وقد أصبحت الحالة العامة للناس مليئة بمثل هذه النماذج.

ما أقبح الإعلام حين يمجد العجز، ويلهي ويضلل، وما أروع الإعلام حين ينحاز لأنات المظلومين، ويصدر عن آلامهم وآمالهم، أو يعبر عن أحلامهم وآهاتهم، ويوقظ الضمائر الحية، أو يبعث الروح في قلوب ماتت وتلاشت، أو كادت تموت بعد أن صدأت.

واحد من الناس يعيد إلينا الفخر بمهنة ننتسب إليها، ويرفع السؤال عاليا في وجه الجميع: أليس للمسئولين في بلدنا قلوب تتوجع من الأوضاع التي تردت إليها أحوال المصريين؟

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الرئيس والوريث, حكامنا اسم الله عليهم, مصريات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “واحد من الناس”

  1. شيء مبشر خاصة في ظل غياب العدل
    وكثرة العوز والفقر والحاجة لمساكين
    ر يجدون من يخفف عنهم وطأة المعاناة
    التي تتلبسهم كل يوم لتزيد من أوجاعهم
    وما جدوى القلم إن لم يسخر لمساعدة الناس

    بارك الله فيك أخي محمد حماد

  2. وما أروع الإعلام حين ينحاز لأنات المظلومين، ويصدر عن آلامهم وآمالهم، أو يعبر عن أحلامهم وآهاتهم، ويوقظ الضمائر الحية، أو يبعث الروح في قلوب ماتت وتلاشت، أو كادت تموت بعد أن صدأت

    خير اللهم اجعلة خير
    بارك يارب وزيد

    دمت بخير
    جمعة مباركة



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر









كل تعليق في صلب الموضوع أعتبره جزءا من إدراجي وإن اختلف معي


لأنه يطرح زاوية جديدة للرؤية يمكن أن تكون قد غابت عني