بقلم محمد حماد

كتابات مدادها من القلب، لا ولاء لها لغير هذا الوطن 


الصحراء خيمتنا الأخيرة

فبراير 16th, 2009 كتبها محمد حماد نشر في , شئون خصوصية

استغربت أن يطلب مني رئيس التحرير أن أترك كل ما في يدي، وأوكله إلى أحد مساعدي، واستغربت أكثر أنه شدد على ألا أطلب السائق الذي يعمل معي، وأن أخرج مباشرة إلى الباب الخارجي حيث تنتظرني سيارة الضيافة الخاصة بالجريدة.

كانت الساعة قد قاربت الثانية ظهراً، وكان العمل الذي أمامي كثيراً والموضوعات التي أراجعها تملأ مساحة المكتب الكبير الذي أجلس عليه، استدعيت أحد زملائي، وبدون أن أذكر له المكالمة التي تلقيتها منذ قليل من رئيس التحرير، وقد كانت عادته أو طبيعته، ألا يبلغ أحداً بما ينوى القيام به، طلبت من زميلي القيام ببعض المهام التي أوكلتها إليه حتى أعود، وأفهمته أني خارج إلى أمر مهم، ولست أعرف متى أعود، والتقطت الجاكت الصيفي من فوق الشماعة التي كانت بخلف المكتب، وانطلقت وسط دهشة كل الزملاء الصحفيين القابعين أمام شاشات أجهزة الكومبيوتر يعملون بهمة ونشاط في صالة التحرير الواسعة التي تواجه مكتبي، لاحظت الأسئلة تلمع في عيون الذين حاولت أن أتجنب النظر إليهم، ووقع ما خفت منه، وبادرني أحدهم بالسؤال الذي هربت منه: إلى أين يا ريس؟.

ضحكت في وجه زميلي ورفعت يدي أحييه عالية كأني أودعه، وخرجت بدون كلمة، لأجد الأمطار تهطل من حولي في سابقة لم أرها من قبل منذ وطئت قدماي أرض الإمارات العربية المتحدة.

حاولت أن أتعرف على الجهة التي نمضي إليها من السائق الهندي الذي رحب بي، أول ما دلفت إلى السيارة، وسكت بعدها، كلمة واحدة استطعت أن أخطفها منه: رايحين على أرباب، فهمت أننا في طريقنا إلى رئيس التحرير، وهو الأمر الذي كنت أعرفه، ولا أحتاج إل

المزيد


الحنين إلى الله

سبتمبر 3rd, 2008 كتبها محمد حماد نشر في , اسلاميات, شئون خصوصية

الحنين إلى الله..
هل شعرت يوماً بهذا الإحساس يملأ عليك فؤادك؟
هل ذقت يوماً طعم الخوف المر من أن ينفلت منك عمرك فإذا بك أمام النهاية المكتوبة على كل بشر؟
كنتُ في عزاء صديق اختطفه الموت مبكراً، فرحل عن دنيانا منذ بضع سنوات، سافرت مع زملاء وأصدقاء زميلنا الراحل، لنؤدي واجب العزاء إلى أهله، قصدنا بلطيم، وكان موكب السيارات طويلاً، فالراحل العزيز كان صديقاً لنا، وزميلاً وأخًا صغيرًا لمعظمنا، وهو علاوة على ذلك ابن أخت صديق عزيز علينا جميعاً، فمنا من ذهب من أجل الراحل، ومنا من ذهب من أجل خاله، ومنا من فعل ذلك من أجلهما معاً، وكنت واحداً من هؤلاء.
رغم أننا في الطريق إلى العزاء في ميت، لم يرد الموت لنا على خاطر، وانشغلنا طول الطريق الطويل في كل حديث، في السياسة تحدثنا، وفي الاقتصاد، وفي التاريخ، وفي الحاضر، وكانت لنا مناقشات في واقعنا العربي، وفي مشاكلنا الوطنية، الكبيرة منها والصغيرة، وبقرار جماعي صامت تجنبنا الحديث عن الموت، كأنه أمر يخص غيرنا، وليس لنا فيه نصيب!
لست أنكر أننا تحدثنا لبعض الوقت عن الفقيد الذي كانت له مكانة خاصة في قلوبنا جميعاً، وربما لفت بعضنا صغر سنه، ترحمنا عليه، ولكن أحداً منا لم يضع نفسه مكانه، وهكذا الناس جميعاً، يرون الموت كل يوم من حولهم، وربما في أقرب الناس إليهم، ولكن أحداً لا يتوقع وصوله إليه، كأننا محصنون ضد الموت، حتى إذا وقع، كان ذلك فجأة، وعلى غير توقع..
أعترف بأنني ربما كنت أكثر

المزيد


خبطتان في الرأس

يونيو 28th, 2007 كتبها محمد حماد نشر في , شئون خصوصية

ليلتان: واحدة من غير مكتوب والمدونات، وأخرى بدون كهرباء، والخبطتان في الرأس توجعان، في ليلة بدون مكتوب كان السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا؟ وما الذي جرى؟ وكلها أسئلة كنت أعرف أننا عاجلا أو آجلا سوف نعرف إجابات عليها، ولا اكذب عليكم فقد توقعت الأسوأ ، ورحت أوطن نفسي عليه، وفكرت في الرحيل بمدونتي أو ما بقي منها معي إلى فضاء تدويني  آخر.
وليس مجاملة لمكتوب أن أقول أنني أحمل عاطفة جياشة تجاه مكتوب، ربما لأنها شركة عربية، وهذا عندي له معنى ومدلول أنحاز إليه مهما كانت السلبيات، فهو وحده يمثل عندي ايجابية اكبر من أي سلبية مهما عظمت.!
وجاءت الليلة التالية بدون كهرباء، كانت الأزمة اكبر، والمأساة أوسع مدى، الحمد لله لم يكن هناك خسائر مادية كالتي حدثت من قبل في عمارتنا حين انقطع التيار وعاد بطريقة أفسدت برادات وأجهزة تلفزيون وخلافه، ولكن الأسوأ في هذه الليلة الطويلة أنه برزت أمامي كأنها الحقيقة الغائبة مسألة أننا بتنا نعتمد على الكهرباء في حياتنا بطريقة تكاد تكون مرضية.!!
وجدتني بلا عمل، وبلا حركة، وغير قادر على التفكير في غير عودة الكهرباء حالا.!
حرارة الجو عالية في القاهرة هذه الأيام، فتحولت الشقة إلى فرن اخرج إلى البلكون هواء ساخن يدفعني إلى الداخل، أعود إلى غرفتي أجد كل شي

المزيد


يا صبح ليلي اللي طول

أبريل 11th, 2007 كتبها محمد حماد نشر في , شئون خصوصية

يشجيني صوت أم كلثوم أكثر ما يشجيني في (ليالي الغربة), وليل الغربة في قبرص كان طويلا وثقيلا ووحيدا يبدأ من الثامنة مساء حين انهي عملي, ولا ينتهي إلا مع شقشقة الفجر الأولى حيث يغلبني سلطان النوم, ويهزمني تحالف النعاس والإرهاق. في تلك الساعة, وفي الربع الثالث من الليل يأتيني صوتها مليئا بلوعة الحب والصبابة, مسكونا بالهجران, فيركبني الشوق حنينا, ويتلبسني الحنين شوقا, ويكاد يقتلني التوق إلى الضفة الأخرى من البحر. وأهل قبرص ــ لمن لا يعلم ــ بهم عادات وخصائص أهل الجزر, منغلقون على أنفسهم, هيابون للذي يأتي من المجهول, من عتمة الماء, وبعد الثامنة مساء كنت تمشي في شوارع (نيقوسيا) فلا تجد صريخ ابن يومين, فقط سيارات بكل الطرز وبكل الألوان تمر بجانبك كالبرق, ونيقوسيا مدينة لا تعرف المشاة وعاصمة للصمت, وكنت أتلذذ بالمشي ــ وحدي دون شريك ــ تحت وابل من المطر, ووسط أجواء من الصقيع, أتسكع أمام واجهات المحلات, أو أقف مشدودا إلى طراز معماري, اجري هائما على وجهي يدفعني شعور الوحدة باتجاه البحث عن (ونيس) لا أجده, ومن جديد تحط رحالي في بيتي منهوك القوى وحيدا مع صوت أم كلثوم. وأغمض عيني على صوتها يقول:

(سهران لوحدي

 أناجي طيفك الساري

سابح بوجدي

ودمعي ع الخدود جاري)

في تلك الساعة من ساعات الليل كنت أمضي إلى يوسف في جوف البئر, اشد على يده, أعانقه وأمسح عن عينيه الحزن وأبشره بملك مصر تجري من تحته الأنهار والأحد عشر كوكبا يجيئونه سجدا كان يسألني: ما بال النسوة اللائي قطعن أيديهن؟ وكنت أطمئن قلبه, وأشد من أزره, وهمست إليه أن امرأة العزيز سوف تقر بإدانتها وسوف تعترف له بالبراءة , وسيشهد شاهد من أهلها أن (كيدهن عظيم) وسيرفعك الملك إليه, ويجلسك على العرش, كنت أواسي نفسي فيه وامسك حلمي حتى لا يفلت من يدي. 

واطرحني من نفسي الاقيني ثلاثة

قول خمسة قول عشرة مش عارف

 أصل الواحد لما بيحب بيكتر

وأنا هايم حب عايش بتسعتاشر قلب

 شايل جوايا النسمة الصابحة الطالعة من البير اياه

 بير يوسف وإخواته الحداشر بينادوا:

 يا قمرنا هل وطل

دا السما ملانة بالضل

والشمس زاحفة وراه

يا قمرنا هل وطل

وكان صوت أم كلثوم يعيدني إلى شجني وشوقي وكل حنيني.

في تلك الساعة من ساعات الليل كنت اشد رحالي إلى يونس في بطن الحوت, فوقه ماء وتحته ماء, تحيط به ظلمة الغربة, وغربة النفس عما يحيط بها, يملؤه اليأس وتلعب به الظنون, احكي له الحكايات, وأقص عليه نبأ الذين تغربوا

المزيد











كل تعليق في صلب الموضوع أعتبره جزءا من إدراجي وإن اختلف معي


لأنه يطرح زاوية جديدة للرؤية يمكن أن تكون قد غابت عني